أحمد ايبش
25
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى
ذكر توجّه السّلطان إلى الشام [ المحرّم سنة 672 ه ] وكانت الأخبار قد وردت بحركة أبغا ملك التّتار « 1 » ، فخرج السّلطان في ليلة السّادس والعشرين من المحرّم ، وصحبته جماعة من أمرائه الخاصّة ، فحمل كلفهم في هذه السّفرة . وفي أثناء الطريق قوي الخبر بحركة التّتار ، فكتب بخروج العساكر جميعها والعربان من الدّيار المصريّة صحبة الأمير بدر الدّين الخزندار ، ورسم بأن جميع من في مملكته ممّن له فرس يركب للغزاة ، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من بينهم خيّالة على قدر حال أهل القرية ، ويقومون بكلفهم . ودخل دمشق في سابع عشر من صفر من هذه السنة ، وكان رحيل العساكر من مصر في العشرين من صفر من هذه السنة ، ووصلوا يافا ، وورد المرسوم على الأمير بدر الدّين الخزندار بالنّزول قريبا من يافا . ولمّا علم السّلطان خروج العساكر من مصر وحضورهم ، ركب من دمشق في جماعة يسيرة مقدار أربعين نفرا جرائد ، ولم يستصحبوا ركاب دارا من دمشق ولا غيره . فوصلوا وقد طلّبت العساكر وقاربت المنزلة ، فاعترضهم السّلطان وجماعته ملثّمين ، فاعتقدهم الحجّاب تركمانا ، فرسموا لهم بالترجّل فما ترجّلوا ، وساق السّلطان منفردا وجاء من خلف السّناجق ، وحسر اللّثام عن وجهه فعرفه السّلاح داريّة « 2 » ، ودخل وساق في موكبه ، فنزل النّاس وقبّلوا الأرض ، وساق ونزل بدهليزه فرتّب مصالح .
--> ( 1 ) أبغا هذا هو ابن خان التّتر هولاگو ، الذي فشل في عام 658 ه في غزو مصر بسبب سفره إلى قراقوروم عاصمة إمبراطورية التّتر ، لوفاة أخيه منگو خان التّتر الأكبر ، كما ذكرنا في نصّ الصّارم أزبك أعلاه . لكن أبغا فشل فشلا ذريعا في تحقيق ما عجز عنه أبوه . ( 2 ) هذه الجرأة لا يقدم عليها إلا أشدّاء الرّجال ، فعادة السّلاطين ألا يتحرّكوا إلا بالطبول والزّمور والحرس والجيوش والصّخب واللّغط . وفي عصر المماليك اشتهر سلاطين أظهروا بطولات شخصية وجرأة نادرة ، مثل : الظاهر بيپرس ، والأشرف خليل ابن قلاوون ، والنّاصر فرج ، والأشرف قايتباي .